''''''
إنّ الباحث في المكتبة العربية ليجدها تزخر بالمعاجم العربية التي أثرت هذه المكتبة، والمعجم من حيث مادته اللغوية مأخوذ من عجم أي أزال إبهامه، ويقال هذا رجل أعجمي أي لا يتحدث اللغة العربية بلهجة فصيحة، فالمعجم محاولة لتقويم لسان الناطقين باللغة العربية، وتعريف الأعاجم على المعاني المحتملة للفظة الواحدة، وقد عُرف المعجم باسم “القاموس” وقيل: “كتاب يضم مفردات لغوية مرتبة ترتيبًا معينًا وشرحًا لهذه المفردات أو ذكر ما يقابلها بلغة أخرى”، وقيل في تعريف المعجم أيضًا: “المعجم كتاب يشتمل على عدد كبير من مفردات اللغة مرتبة ترتيبًا معينًا مقرونةً بطريقة نطقها وشرحها وتفسير معانيها”، وشهدت المكتبة العربية زيادة في المعاجم مع زيادة الداخلين في الإسلام، فهذه المعاجم تساعدهم في فهم معاني القرآن الكريم وتفسيره، بل وإن المعاجم أصبحت أداة يستعين بها العرب وغيرهم، فاللغة العربية بحر كبير لا يمكن الإحاطة به لأي أحد، وفي هذا المقال سيكون الحديث بالتفصيل عن طريقة البحث في المعاجم العربية.
تعددت المناهج المتبعة في تصنيف وتبويب المفردات في المعاجم العربية، وبذلك اختلفت طريقة البحث، وكان لكل باحث طريقة في ترتيب معجمه، وقبل الحديث عن طريقة البحث في المعاجم، لا بدَّ من استعراض أنواع المعاجم، فالمعاجم العربية انحصرت بالأنواع الآتية:
لطالما ارتبطت اللغة العربية بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية، فعكف الدارسون والباحثون في البحث عن كل ما يتصل بهذا الكتاب المقدس، ولما كان يدخل بالإسلام الكثير من العجم، كان لا بدَّ من كتاب يشرح هذه المفردات، حتى يتمكن القارئ من فهم المعاني القرآنية، فأُلفت المعاجم لهذه الغاية، وكان أول معجم قد اعتمد منهجًا واضحًا هو “معجم العين” للخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفي 170هـ، والمعجم له طريقة في البحث عن معنى الكلمة، فعمد الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى نظام من ابتكاره، وهو نظام المخارج الصوتية للحروف، وهذا النظام معقد يحتاج الباحث إلى عدة خطوات حتى يستطيع الباحث أن يصل لمعنى الكلمة، وسيأتي الحديث بالتفصيل عن طريقة البحث في المعاجم، وفي محاولة لتجديد طريقة البحث في معجم العين ألف ابن دريد معجم الجمهرة، وذلك لصعوبة البحث في معجم العين، ولا بدَّ من معرفة أن معجم العين يُعد مرجعًا لجُل المعاجم اللاحقة.
عند الحديث عن المعاجم لا يمكن إغفال ذكر معجم “لسان العرب” الذي ألفه جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور المتوفى عام 711هـ، وابن منظور كان عارفًا بالنحو والتاريخ واللغة والكتابة، فهو أحد الأعلام الكبار في عصره، ويُعد “لسان العرب” أشهر كتب ابن منظور، بل أشهر معاجم العربية، رتب ابن منظور معجمه حسب الأواخر متبعًا طريقة معجم الصحاح للجوهري، وكان لكل حرف باب يتحدث فيه عن مخرج الحرف وأنواعه، ويذكر خلاف النحويين فيه، فقد ضمَّ بين دفتيه نحو ثمانين ألف مادة معتمدًا على خمسة معاجم رئيسة في اللغة العربية، وهذه المعاجم هي : تهذيب اللغة، المحكم، الصحاح، وحاشية الصحاح، والنهاية، ولسان العرب يحوي على اثنين وثلاثين ألف بيت شعري فصيح كانت شواهد يعتمد عليها ابن منظور، كما استشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وكان منهج ابن منظور يتحلى بالشفافية والموضوعية، فعمد إلى ذكر آراء اللغويين والنحويين، فكان هذا المنهج المعتمد عند ابن منظور، فعد الباحثون لسان العرب موسوعة علمية ثرية وذلك لما اشتمل عليه من مادة لغوية و أدبية.
يعتمد البحث في المعاجم على طريقتين، الأولى ترتيب الحروف وتسمى المعاجم الألفبائية وتنقسم إلى معاجم تأخذ بأوائل الحروف، ومعاجم تأخذ بأواخر الحروف، أما الطريقة الثانية تأخذ بمخارج الحروف، وتسمى الطريقة الصوتية التقليبية، وفيما يأتي شرح لكل من الطريقتين:
تنقسم المعاجم الألفبائية إلى قسمين، الأول معاجم تأخذ بأوائل الحروف: للبحث في معنى كلمة محددة تُرد الكلمة لأصلها، فتُجرَّد هذه الكلمة من حروف الزيادة، وتُرد للمفرد إذا كانت مثنى أو جمع، وتُرد الألف إلى أصلها الواوي أو اليائي، ويُبحث عنها في باب الحرف الأول فصل الحرف الثاني مع مراعاة الحرف الثالث والرابع، مثال “لاعبون” تُرد الكلمة للمفرد، فتصبح لاعب، تُجر من أحرف الزيادة فتصبح “لعب” ثم يُبحث في باب اللام، ثم في فصل العين ويُراعي ترتيب الباء. أما القسم الثاني الذي يأخذ بأواخر الحروف، فالخطوات مشابهة للقسم الأول، فعند البحث عن معنى كلمة محددة، تُجرد هذه الكلمة من حروف الزيادة، وتُرد للمفرد إذا كانت مثنى أو جمع، وتُرد الألف إلى أصلها الواوي أو اليائي، ويُبحث عنها في باب الحرف الأخير فصل الحرف الأول مع مراعاة ترتيب باقي الحروف، مثال “استعلاء” تُجرد من حروف الزيادة فتصبح علا، تُرد الألف إلى أصلها فتصبح “علو” نبحث في المعجم عن باب الواو، ثم فصل العين مع مراعاة ترتيب اللام، وترتيب الحروف الهجائية في المعجم هو: “أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ و ي”.
هذه المعاجم تعتمد النظام الصوتي، وأول من اعتمد هذا النظام هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، فالخليل رتب معجمه بدءًا من مخرج الحروف من أقصى الحلق وانتهاءًا بالشفتين ثم حروف العلة، فرتب الخليل الحروف العربية وفق المخرج كالآتي: “ع ح ه خ غ، ق ك، ج ش ض، ص س ز، ط د ت، ظ ث ذ، ر ل ن، ف ب م، و ا ي همزة” فإذا أردنا استخراج كلمة نتبع ما يأتي: