''''''
الجنابة هي اسم لحال من ينزل منه المني أو هي حال لمن يكون منه جماع مع زوجته، وهي مشتقّة من الفعل جَنُبَ يجنُبُ جنابة فهو جُنُبٌ وجَنِيبٌ، وقيل هي في اللغة ضد القرب والقرابة، فيقولون جَنَب الشيء وتجنّبه إذا بَعُدَ عنه، فهي في الأصل تعني البعد، وقال بعض علماء اللغة إنّ المرء قيل عنه جُنُب لأنّه منهيٌّ عن الاقتراب من أماكن الصلاة إذا لم يتطهّر، فهو بذلك تجنّبها وأجنَبَ عنها؛ بمعنى تنحّى، وقيل ربّما سُمّي جنُبًا لأنّه يتجنّب الناس حتى يغتسل، وأمّا اصطلاحًا فللجنابة تعريفات كثيرة عند علماء الفقه الإسلامي منها ما قاله الإمام النووي إذ قال: “تُطْلَقُ الْجَنَابَةُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَنْ أَنْزَل الْمَنِيَّ، وَعَلَى مَنْ جَامَعَ، وَسُمِّيَ جُنُبًا؛ لأَِنَّهُ يَجْتَنِبُ الصَّلاَةَ وَالْمَسْجِدَ وَالْقِرَاءَةَ وَيَتَبَاعَدُ عَنْهَا”، والمرء مُعرّض للجنابة في رمضان أو في غيره، وثمة سؤال يدور كثيرًا سيجيب عنه هذا المقال وهو هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان.
يدور سؤال عند الصائمين مداره حول هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان، وهذا السؤال قد أجاب عنه الفقهاء قديمًا، ومسألة الصيام على جنابة لها عند الفقهاء أربعة أوجه، الأوّل هو مذهب الأئمة الأربعة ويقضي بجواز صيام الجنب مطلقًا، والثاني هو أنّه لا يصحّ مطلقًا وهو مذهب أبي هريرة وسالم بن عبد الله والحسن البصري، ونقل ذلك عنهم الإمام النووي، والمذهب الثالث هو أنّه إن أخّر الاغتسال لغير عذر فصيامه باطل وهو قول عروة بن الزبير، والرابع أنّ صيام الجُنُب يصحّ في النفل دون الفرض وهو قول إبراهيم النخعي، وأمّا أدلّة الجمهور على صحة صيام الجنب فهي ثلاثة، الأوّل هو الآية الكريمة في سورة البقرة التي يقول فيها الله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}؛ ووجه الاستدلال أنّ الآية الكريمة قد أباحت حدوث الوقاع؛ أي: الجماع، إلى طلوع الفجر، ومن كان يجامع إلى طلوع الفجر فمن البدهيّ أن يكون جُنُبًا عند الفجر، وهذه إشارة لطيفة من القرآن الكريم، وأمّا الدليل الثاني فهو من السنة المطهّرة وهو حديث ترويه أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أخرجه البخاري -رضي الله عنه- في صحيحه تقول فيه: “كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ جُنُبًا في رَمَضَانَ مِن غيرِ حُلْمٍ، فَيَغْتَسِلُ ويَصُومُ”، وفي رواية أخرى للحديث في البخاري كذلك: “كانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ وهو جُنُبٌ مِن أهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ، ويَصُومُ”، ووجه الاستدلال في الحديث فائدتان: الأولى أنّه كان يُجامع في رمضان ويؤخّر الاغتسال إلى ما بعد الفجر وفي ذلك بيانٌ لجواز ذلك، والثانية أنّ ذلك كان بسبب الجماع لا الاحتلام.
وأمّا الدليل الثالث للجمهور فهو حديث يرويه أبو بكر بن الحارث أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين “أنَّ مَرْوَانَ أَرْسَلَهُ إلى أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا، أَيَصُومُ؟ فَقالَتْ: كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِن جِمَاعٍ، لا مِن حُلُمٍ، ثُمَّ لا يُفْطِرُ وَلَا يَقْضِي”، ويُستفاد من هذا الحديث كما الذي قبله؛ أي: الحديث الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وأمّا من قالوا لا يصح صوم الجنب فدليلهم هو حديث يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول فيه إنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “إذا نوديَ للصَّلاةِ ، صلاةِ الصبحِ ، وأحدُكُم جُنبٌ ، فلا يَصُم يومئذٍ”، وقد وقف العلماء من هذا الحديث والحديثين السابقين مواقف عدة منها ما رجّح حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، ومنهم من جمع بين الأحاديث من وجه، ومنهم من قال بالنسخ، وسيقف المقال فيما يأتي مع ذكر وجوه الترجيح، وسيذكر بعدها ما ذهبت إليه الأمّة في نهاية الخلاف، وسيضرب صفحًا عمّا سوى ذلك؛ إذ تُنظرُ في مظانّها، وتفصيل ذلك فيما يأتي:
قول الترجيح: لقد ذهب أكثر العلماء إلى ترجيح حديثي زوجتي النبي -عليه الصلاة والسلام- عائشة وأمّ سلمة -رضي الله عنهما- على حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- لأسباب كثيرة يذكرها المقال فيما يأتي، وإنّ تلك الأسباب قد لخّصها العلماء بخمسة أسباب هي:
وبعد الوقوف على شيء من خلاف العلماء حول مسألة هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان فإنّه في ختام هذه الفقرة ينبغي ذكر ما ذهبت إليه الأمّة بعد هذا الخلاف، فقد انعقد اجماع الأمّة -كما ذكر غير واحد من العلماء كالإمام النووي- على أنّ الجنابة لا تؤثّر على الصيام سواء في الفرض أم في النافلة، وقد قال في ذلك الإمام ابن حجر العسقلاني: “وقد بقي على مقالة أبي هريرة بعض التابعين كما نقله الترمذي، ثم ارتفع ذلك الخلاف، واستقر الإجماع على خلافه كما جزم به النووي، وأما ابن دقيق العيد، فقال: صار ذلك إجماعًا، أو كالإجماع”، وأمّا تأخير الاغتسال إلى ما بعد الفجر فجائز كما تقدّم، ولكن الأفضل أن يغتسل من الجنابة وقت الصلاة ليصلّي الفجر في وقتها، والله أعلم.
بعد الإجابة عن سؤال هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان فإنّ هذه الفقرة تقف مع بعض المسائل في الجنابة، وهي سبع مسائل يقف عليها المقال فيما يأتي، ويدلّل على كل مسألة بما يناسبها من أدلّة؛ وهي:
بعد الإجابة عن سؤال هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان يقف المقال مع بعض المسائل المختارة في الجنابة والمسألة الأولى هي حكم الصلاة للجنب، وقد أجمعت الأمّة على أنّ الذي صدر عنه حدث أصغر أو أكبر فإنّ صلاته لا تصح؛ قال الإمام النووي: “أجمع المسلمون على تحريم الصلاة على المحدث، وأجمعوا على أنّها لا تصح منه، سواء كان عالمًا بحدثه أو جاهلًا أو ناسيًا؛ لكنّه إن صلّى جاهلًا أو ناسيًا فلا إثم عليه، وإن كان عالِمًا بالحدث وتحريم الصلاة مع الحدث فقد ارتكب معصية عظيمة”، والأدلّة على ذلك كثيرة منها الحديث الذي يرويه عبد الله بن الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- حيث: “دَخَلَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ علَى ابْنِ عامِرٍ يَعُودُهُ وهو مَرِيضٌ فقالَ: ألا تَدْعُو اللَّهَ لي يا ابْنَ عُمَرَ؟ قالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: لا تُقْبَلُ صَلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ ولا صَدَقَةٌ مِن غُلُولٍ. وَكُنْتَ علَى البَصْرَةِ”، فالصلاة بلا طهارة لا تصح، وكذلك الحديث الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- الذي يقول فيه: “أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إلَيْنَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَمَّا قَامَ في مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أنَّه جُنُبٌ، فَقالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ، ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا ورَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا معهُ”، فإذًا الإجماع منعقد على أنّ الصلاة في حال الجنابة ممنوعة ولا تجوز ولا تصح، ولكن في حال تعذّر العثور على الماء فيكفي التيمم إلى أن يوجد الماء، فقد صحّ في الحديث الذي ورد عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه رأى “رجلًا معتزلًا لم يصلِّ مع القومِ، فقالَ: يا فلانُ ما منعَكَ أن تصلِّيَ مع القومِ، فقالَ: يا رسولَ الله، أصابَتني جَنابةٌ ولا ماءٌ، قالَ: عليكَ بالصَّعيدِ فإنَّهُ يَكْفيكَ”، ولمّا حضر الماء أعطى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- ذلك الرجل إناء وأمره أن يغتسل به، والله أعلم.
بعد الوقوف على مسألة حكم الصلاة للجنب والإجابة عن سؤال هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان فإنّ المقال يقف مع بيان حكم مس المصحف للجنب، والذي عليه الجمهور هو أنّه يحرم على الجنب مس المصحف، وكذلك مس جلده المتصل به، وكذلك يحرم عليه مس الورق المكتوب فيها شيء من القرآن الكريم لعموم قوله تعالى في سورة الواقعة: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، فالنهي عن المس قد جاء لغير المطهرين، وهذا مذهب الأئمة الأربعة واختاره ابن تيمية، وخالفهم إمام الأندلس ابن حزم إذ رأى أنّه يمكن للجنب أن يمسّ المصحف، والله أعلم.
لقد ذهب الجمهور من علماء المذاهب الأربعة أنّ الجنب يحرم عليه قراءة القرآن، لما روي عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان لا يحجزه عن القرآن شيء إلّا الجنابة، وكذلك ما رواه ابن كثير من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: “لا تقرأُ الحائضُ ولا الجنُبُ شيئًا من القرآنِ”، وذهب ابن عباس وسعيد بن المسيب إلى جواز قراءة القرآن للجنب، وعند الجميع يجوز تلاوة ما لم يقصد به القرآن كالأذكار والأدعية، والله أعلم.
بعد الإجابة باستفاضة عن سؤال هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان فإنّ المقال يقف مع مسألة أخرى من مسائل متعلقة بالجنابة وهي حكم مكوث الجنب في المسجد، والذي عليه الجمهور أنّه لا يجوز للجنب المكوث في المسجد أو دخوله، وأجاز الشافعية والحنابلة وبعض علماء المالكيّة عبور المسجد للاستثناء الواقع في قوله -تعالى- في سورة النساء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا}، ولكن المعتمد في المذهب المالكي وعند الأحناف كذلك أنّهم منعوا عبور الجُنُب المسجد إلّا في حال التيمم، والله أعلم.
المسألة الخامسة من المسائل التي اختارها هذا المقال في الجنابة هي مسألة نوم الجنب من دون وضوء، ولقد ذهب العلماء إلى جواز نوم الجنب بلا اغتسال، ولكنّهم اختلفوا في الجنب ينام بلا وضوء، فذهب الأحناف إلى القول بأنّ الوضوء قبل النوم أفضل، وذهب المالكيّة إلى أنّ الوضوء قبل النوم مندوب، وذهب الشافعية والمتأخرين من الحنابلة واختاره ابن تيمية إلى أنّه يُكره النوم على جنابة من دون وضوء، وقيل بل يجب عليه الوضوء قبل النوم وهو اختيار بعض المالكيّة واختيار ابن حزم كذلك، ولكلّ فريق منهم أدلته التي يستند عليها.
يصل مقال هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان إلى محطته قبل الأخيرة وهي الحديث عن حكم طواف الجنب، وهذه المسألة من المسائل الخلافية التي لم يكن للعلماء فيها قول مشترك، والذي عليه الجمهور أنّه يحرُمُ على الجنب الطواف بالبيت الحرام لأنّ ذلك في حكم الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلّم: “الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ إلَّا أنَّ اللَّهَ قد أحلَّ لكم فيهِ الكلامَ فمن تكلَّمَ فلا يتَكَلَّمْ إلَّا بخيرٍ”، وأمّا الأحناف فعندهم يجوز للجنب الطواف بالبيت إلّا أنّه تجب عليه ساعتها بدنة؛ لأنّ الطهارة عندهم ليست شرطًا وإنّما واجبة، وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال إنّ البدنة تجب في موضعين وذكر أحدهما الذي يطوف جنبًا.
أخيرًا يصل مقال هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان إلى الختام ويقف مع آخر مسألة من مسائل الجنابة وهي حكم الأذان والإقامة للجنب، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أذان الجُنُب مع الكراهة، ولكن يُستحبُّ للمؤذّن أن يكون طاهرًا لما في ذلك من تعظيم لهذه الشعيرة، وكذلك فالأذانُ ذِكرٌ مُعظَّمٌ الأفضل فيه الطهارة، والله أعلم.
The post هل يجوز الصيام على جنابة في غير شهر رمضان first appeared on mawdo3 - موضوع.]]>حرص الدِّين الإسلاميّ على المحافظة على بقاء الأُسرة وتماسُكها؛ لما في ذلك من حفظٍ للأبناء، واستقرار للمُجتمع، ودرء لباب الرَّذيلة، ومنع لتشرُّد الأبناء؛ لكن في بعض الأحيان تصل العلاقة بين الزَّوجين إلى طريقٍ مسدودٍ يعجز كُلٌّ منهما في الاستمرار في الحياة الزَّوجيّة، ومن هنا جاءت مشروعية الطَّلاق؛ حيث سُمّيت إحدى سور القرآن الكريم بهذا الاسم، وفيها جاء تفصيل وذكر أحوال الطلاق وهيئاته؛ حيثُ يدلُّ ذلك على أنَّ الإسلام لمْ يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا بيّنَها، ومن تلك المسائل هذا الموضوع، فلم يترُكْه تِبعًا للهوى والرَّغبات، بل حدّد الطلاق بضوابط وأحكام تضمن حقوق الزّوج والزوجة، وتضمن دوام العشرة بالمباح، أو التفريق بين الزوجين إن أصبحت الحياة مستحيلةً والاستمرار بها يؤدّي إلى نتائج عكسيّة.
الطَّلاق في اللُّغة: من الفِعل أطلَق أي ترك وتخلّى عن الشيء مؤقتًا أو إلى الأبد، وهو يعني التسريح كذلك فيقال: أطلق الناقة؛ أي سرَّحها، أمّا في الاصطلاح الفقهيّ فإنّ الطلاق يعني: رَفْعُ القَيد الثَّابت بطريقة شرعيّة (وهو الزواج بألفاظ مخصوصة).
يُعتبر الطلاق من الأمور المباحة شرعاً في حالاتٍ معينة، فيجوز للرجل أن يوقعه على زوجته لكن ضمن شروط وأحكام وقواعد، وقد يقع الطلاق في بعض الحالات صحيحاً، وربما يكون وقوعه غير صحيحٍ؛ فلا يترتّب عليه حكم ولا يُحسب طلاقاً، وربما يحتاج الطلاق في بعض الحالات إلى سؤال المُطلِّق عن نيّته ومراده، هل قصد الطلاق بكلامه أم قصد غير ذلك؟
ينقسم الطلاق باعتبار اللفظ الصادر عن المُطلِّق إلى صريحٍ وكنائي.
ينقسم الطلاق بعد وقوعه باعتبار الأثر الناتج عنه إلى طلاقٍ رجعيٍ وطلاقٍ بائن، والرجعي قسمان هما: طلاقٌ رجعيٌ أوّل وطلاقٌ رجعيّ ثان، والبائن يُقسم إلى بائنٍ بينونةٍ صغرى وبائن بينونةٍ كبرى، وبيان تلك الأقسام فيما يلي:
يُمكن اعتبار الطّلاق رجعيّاً أو اعتباره بائناً بعدّة اعتبارات أهمّها منشىء الطلاق هل هو الزوج نفسه أم القاضي، وبحسب عدد الطلقات التي سبقته هل هو طلاقٌ أولٌ أم طلاقٌ أخير، وبحسب إرجاع الزوج لمطلّقته أو عدم إرجاعه لها، فإن كان الذي أوقع الطلاق على الزوجة هو القاضي بناءً على طلبها؛ فإن الطلاق يقع بائناً إلّا في حالة عدم إنفاق الزّوج على زوجته لإعساره عن دفع نفقتها، فيقع حينها طلاق القاضي رجعياً، وفيما عدا ذلك يقع الطّلاق من القاضي على طالبة الطلاق بائناً، وفي مثل تلك الحالات لا يحقّ للزّوج أن يُرجع زوجته إلى عصمته وعقد نكاحه إلا بعقدٍ جديد وبرضاها، حتى إن كان ذلك بعد إيقاع الطلاق بساعةٍ أو يوم، أما الطّلاق الذي يوقعه الزّوج على زوجته فكُلُّه يُعتبَر طلاقاً رَجعيّاً على النحو الذي تمّ بيانه سابقاً؛ إلا في ثلاث حالاتٍ هي: أن يكون إيقاع الطّلاق من الزوج قبل دخوله بها، أو أن يكون إيقاع الطلاق قائماً على اتفاقٍ بينهما على المخالعة مقابل مال (الخُلع الرِّضائي أو القضائيّ)، أو أن يكون الطّلاق مسبوقاً بطلقتين فيقع بائناً بينونةً كبرى بمجرد إيقاعه من الزوج.
الأصل في حكم الطّلاق أنه محضور شرعاً؛ فلا ينبغي للرجل إيقاع الطلاق على زوجته إلا لسببٍ منطقي، ومع ذلك فإنّ أحكام الطلاق تتنقل بين الإباحة والوجوب والندب والكراهة والاستحباب؛ فيُباح مثلاً إذا كان هنالك حاجةً إلى الخَلَاص من جهة أحد الزوجين، ويُصبح مَندوباً إذا كانت الزوجة لا تقوم بحقوق زوجها المشروعة؛ بشرط أن يعجز الزّوج عن إجبارِها على القيام بها، ويكون واجباً إذا وقع في قضايا التّفريق للشّقاق والنّزاع؛ فيكون فيه الفصل بين الزوجين طلاقاً بائناً (بائن صُغرى أو كبرى بحسب عدد الطلقات السابقة)، ويجب على الزوجين الأخذ به بمجرّد تصديق القاضي عليه، ويكون الطلاق مكروهاً إذا وقع من غير سببٍ مُعتبرٍ شرعاً أو حاجة إليه، ويُحظر الطلاق إذا كان في حيض المرأة أو في طهرٍ جامعها فيه.
The post كيف يقع الطلاق شرعاً first appeared on mawdo3 - موضوع.]]>